اسد حيدر

325

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

ما نتج من وراء ذلك الخلاف بين أهل الحديث وأهل الرأي من هجاء ومناوشات ، وكانت السلطة تشجع تلك الحركة ، وتضاعف أسباب الخلاف من وراء الستار لغاية في نفوس أصحابها . وعلى أي حال فقد اتجه أبو حنيفة إلى الفقه بعد أن قضى مدة من حياته في التجارة ثم قرأ الكلام ، ودرس على مشايخ عصره ، وحضر على عطاء بن أبي رباح في مكة وهو من الموالي ، وعلى نافع مولى ابن عمر في المدينة ، وأخذ عن عاصم بن أبي النجود وعطية العوفي ، وعبد الرحمن بن هرمز مولى ربيعة بن الحارث ، وزياد بن علاقة ، وهشام بن عروة وآخرين ، ولكنه لزم واحدا منهم ملازمة تامة وتخرج عليه وهو حماد بن أبي سليمان الأشعري ، وهو الذي اختص به أبو حنيفة وحضر درسه وتخرج عليه إلى أن مات سنة 120 ه - وعمر أبي حنيفة أربعون سنة وقد أكثر أبو حنيفة الرواية عنه . ويحدث أبو حنيفة عن صلته بشيخه حماد بقوله : قدمت البصرة فظننت أني لا أسأل عن شيء إلا أجبت عنه فسألوني عن أشياء لم يكن عندي فيها جواب ، فجعلت على نفسي أن لا أفارق حمادا حتى يموت ، فصحبته ثماني عشرة سنة . ولم تكن ملازمته لحماد بحيث لم ينقطع عنه ولم يأخذ عن غيره لأنه كان كثير الرحلة إلى بيت اللّه الحرام حاجا ، والتقى هناك بكثير من التابعين وسمع منهم واجتمع بأئمة أهل البيت ، وروى عنهم كزيد بن علي والإمام محمد الباقر وابنه الإمام الصادق وعبد اللّه بن حسن بن حسن . فقهه وتلامذته : لم يعرف فقه أبي حنيفة إلا من طريق أصحابه الذين اختصوا به ، فهو لم يكتب فقهه بنفسه ولم يدون شيئا من آرائه ، ولكن التدوين إنما أخذ من قبل أصحابه ؛ وكان لأبي حنيفة تلاميذ ، منهم من كان يرحل إليه ويستمع منه ، ومنهم من لازمه ملازمة تامة ، وفيهم يقول : هؤلاء ستة وثلاثون رجلا منهم ثمانية وعشرون يصلحون للقضاء ، وستة يصلحون للفتوى ، واثنان أبو يوسف وزفر يصلحون لتأديب القضاة وأرباب الفتوى ! ولكن الذين خدموا مذهب أبي حنيفة ونشروه هم أبو يوسف ، وزفر ، ومحمد بن الحسن الشيباني ، والحسن بن زياد اللؤلؤي .